تنويع الإيرادات العامة في الكويت

اختبار الإصلاح الحقيقي

 

 التاريخ 03-NOV-26
...

  تضع نتائج المالية العامة في الكويت قضية تنويع الإيرادات أمام اختبار عملي متجدد، يتعلق بقدرة الدولة على تمويل خدماتها ومشروعاتها في مواجهة تقلبات أسواق النفط. فقد بلغت الإيرادات الفعلية في السنة المالية 2025/2026 نحو 16.5 مليار دينار، منها 13.6 مليار دينار إيرادات نفطية، مقابل 2.9 مليار دينار إيرادات غير نفطية. واتسع العجز الفعلي إلى نحو 7.1 مليار دينار، مقارنة بنحو 1.1 مليار دينار في السنة السابقة. وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة التي يمكن أن تنشأ عندما تتراجع الموارد النفطية بينما تستمر التزامات الإنفاق العام.

وقد يبدو انخفاض حصة النفط من إجمالي الإيرادات، من نحو 87.8% إلى 82.4% خلال السنتين الماليتين 2024/2025 و2025/2026، تقدمًا في مسار التنويع. غير أن قراءة مكونات هذا التغير تدعو إلى التريث؛ إذ انخفضت الإيرادات النفطية بنسبة 29.8%، في حين زادت الإيرادات غير النفطية بنسبة 6.3%، فتراجع إجمالي الإيرادات بنسبة 25.4%. ومن ثم، فإن المعيار الذي ينبغي الاعتماد عليه هو قدرة الموارد غير النفطية على النمو المنتظم وتخفيف تأثر الموازنة بالصدمات، مع اتساع الأنشطة الاقتصادية التي تولدها.

وتكتسب هذه القضية أهميتها من ارتباطها باستمرار الخدمات العامة، وجودة البنية التحتية، وقدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل. فحين تضيق الموارد، قد تتجه الضغوط إلى الإنفاق الاستثماري أو إلى تأجيل المشروعات، فتتأثر أعمال الشركات وفرص التوسع والإنتاج. ويستدعي ذلك النظر إلى الإصلاح المالي والتنمية الاقتصادية ضمن سياسة متكاملة، تعزز الموارد العامة وتحافظ في الوقت نفسه على الاستثمارات التي ترفع إنتاجية الاقتصاد وتوسع مصادر دخله مستقبلًا.

وتبدأ الخطوات العملية برفع كفاءة إدارة الإيرادات القائمة، عبر تحديث قواعد البيانات، وربط الأنظمة الحكومية، ورقمنة الفواتير والسداد، ومتابعة المستحقات والمتأخرات. وتتيح هذه الإجراءات تحصيل موارد مستحقة وتقليص الوقت والتكلفة التي تتحملهما المنشآت. كما تقتضي مراجعة الرسوم ربطها بتكلفة الخدمة وجودتها، وتقدير أثرها في الأفراد والشركات؛ فزيادة الحصيلة التي تقترن بتعقيد المعاملات أو ارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال قد تضعف النشاط الذي تعتمد عليه الإيرادات نفسها.

ويأتي تطوير النظام الضريبي ضمن خيارات التنويع التي تتطلب إعدادًا وتدرجًا واضحين. فالخيارات المطروحة، ومنها ضريبة القيمة المضافة والضرائب الانتقائية وتوسيع نطاق ضريبة الشركات، تستلزم تقييمًا للحصيلة الصافية وتكاليف الامتثال وآثار التطبيق في الأسعار والاستثمار والتنافسية. ويتوقف نجاح أي إصلاح على وضوح القواعد، وجاهزية الإدارة، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة فترة انتقالية مناسبة، مع مراعاة قدرة المنشآت الصغيرة على استيعاب المتطلبات الجديدة. وتفيد التجارب الخليجية في تصميم هذه السياسات وفق ظروف الاقتصاد الكويتي.

وتتوافر كذلك فرص لتنمية عوائد الأصول العامة، من خلال حصر الأراضي والمرافق غير المستغلة، ومراجعة عقود الانتفاع، وتحسين التشغيل والصيانة، والإفصاح عن العوائد والتكاليف. وينبغي التمييز هنا بين الإيراد المتكرر الناتج عن إدارة الأصل بكفاءة، والحصيلة المؤقتة الناتجة عن بيعه. وتستحق الشراكة مع القطاع الخاص التوسع حيث تثبت جدواها، مع وضوح توزيع المخاطر والالتزامات المالية، وقياس ما تحققه من تحسين للخدمات وعائد اقتصادي للدولة.

أما القاعدة التي تمنح تنويع الإيرادات استمرارية، فهي نمو اقتصاد منتج يستطيع القطاع الخاص فيه الاستثمار والتوسع والمنافسة. ويقتضي بناؤها تسهيل تأسيس الشركات، وتبسيط التراخيص، وتحسين الخدمات والبنية التحتية الداعمة للأعمال. ويمكن توجيه جهود التنويع إلى الأنشطة التي تتمتع فيها الكويت بفرص تنافسية، ومنها الخدمات اللوجستية والمالية والتكنولوجيا المالية. وبالتالي لابد من وجود سياسات تحصيل فعالة وشفافة، تحقق التوازن بين تعبئة الإيرادات واستمرار الاستثمار.

ويوازي إصلاح الإيرادات عمل ضروري على جانب الإنفاق. فقد استحوذت الأجور والدعم على نحو 79.5% من المصروفات المقدرة في موازنة 2025/2026، بما يحد من مرونة التكيف مع تراجع الموارد. ويستدعي هذا الهيكل تحسين تخطيط التوظيف والحوافز، وربطها بالاحتياجات والأداء، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وتعزيز المنافسة والشفافية في المشتريات الحكومية. وينبغي أن يجري ذلك تدريجيًا، مع الحفاظ على جودة التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وإخضاع المشروعات الاستثمارية لتقييم يربط تكلفتها بعائدها الاقتصادي والاجتماعي.

وفي المقابل، توفر الأصول السيادية وإمكانات الاقتراض هامشًا لإدارة السيولة ومواجهة الصدمات، لكن استمرار استخدامها لتغطية فجوة متكررة يستدعي تقييم أثره في الثروة العامة وأعباء التمويل المستقبلية. فحصيلة الاقتراض تنشئ التزامًا بالسداد، ويجب أن ترتبط بخطة واضحة للاستخدام وإدارة المخاطر. وتقتضي حماية حقوق الأجيال القادمة إدارة الدين والأصول والالتزامات ضمن رؤية واحدة، تراعي تكلفة التمويل وآجاله، وتحافظ على قدرة الدولة على تمويل أولوياتها على المدى الطويل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار مالي متوسط الأجل يربط تقديرات الإيرادات والنفقات بأهداف قابلة للقياس بالنسبة لمؤشرات العجز والدين والرصيد المالي غير النفطي. ويتعين أن يستند هذا الإطار إلى سيناريوهات متعددة لأسعار النفط والإنتاج وتكاليف التمويل، وأن تقترن كل منها بإجراءات استجابة محددة. كما ينبغي نشر بيانات دورية توضح نمو الإيرادات المتكررة، وكفاءة التحصيل، ونتائج الإنفاق، بما يتيح متابعة التنفيذ وتصحيح المسار. ويساعد وضوح أولويات الإصلاح ومراحله على تمكين الشركات من التخطيط والتكيف.

إن تنويع الإيرادات العامة مسؤولية اقتصادية تتصل بكيفية استثمار الثروة النفطية في بناء مصادر دخل مستدامة وتمتلك الكويت، بما لديها من أصول وخبرات وإمكانات للقطاع الخاص، مقومات تدعم هذا التحول. والمطلوب هو ترجمة هذه المقومات إلى برنامج تنفيذي متدرج، تتضح فيه المسؤوليات وتخضع نتائجه للتقييم. وعندئذ يصبح تقدم الإصلاح ملموسًا في موارد أكثر استقرارًا، واستثمار منتج، وخدمات عامة قادرة على الاستمرار، مع صون نصيب الأجيال القادمة من الثروة وفرص التنمية.

أسرة التحرير

 

ابقى على تواصل

  • العنوان : مدينة الكويت المنطقة التاسعة شارع عبدالعزيز الصقر
  • رقم الهاتف : (965) 1805580 Ext.#555
  • البريد الالكترونى :kcci@kcci.org.kw

بوابات الدفع المعتمدة

KNET Visa Electron MasterCard Visa
© 2001 > 2026 غرفة تجارة وصناعة الكويت. حقوق الطبع والنشر محفوظة