الكويت.. واقتصاد ما بعد اليقين
الكويت.. واقتصاد ما بعد اليقين
الكويت.. واقتصاد ما بعد اليقين
لم يعد الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة من التقلبات العابرة، بل دخل حقبة تتسم بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، حيث تتداخل الصراعات الجيوسياسية مع التوترات التجارية، وتتعاظم المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وحركة الاستثمار، وثقة الأسواق.
وفي ظل هذه البيئة المضطربة، لم تعد التوقعات الاقتصادية التقليدية كافية لقراءة المستقبل، بل أصبح التعامل مع الأزمات يعتمد على قدرة الدول على بناء اقتصادات أكثر مرونة واستعدادا للصدمات.
وتأتي منطقة الخليج العربي في قلب هذه المتغيرات، نظرا لمكانتها الحيوية في أسواق الطاقة العالمية. ويظل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط القلق، ليس فقط للكويت ودول الخليج، وإنما للاقتصاد العالمي بأسره. فكل توتر في هذا الممر البحري الاستراتيجي ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتأمين، وأسعار النفط، وثقة المستثمرين، وحركة التجارة الدولية.
والأهم من ذلك، أن المشهد الحالي لا يقدم مؤشرات واضحة على استقرار طويل الأمد، ما يعني أن حالة عدم اليقين قد تستمر لفترة ليست بالقصيرة، الأمر الذي يستوجب الاستعداد لها بدلا من انتظار انتهائها.
ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه هذه المرحلة هو أن الاعتماد على المتغيرات الخارجية وحدها لم يعد خيارا آمنا. فالكويت، بما تمتلكه من إمكانات مالية وبشرية وموقع استراتيجي، تستطيع أن تحول هذه التحديات إلى فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، من خلال تعزيز الاستثمار المحلي، وتسريع تنفيذ المشاريع التنموية، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص في قيادة النشاط الاقتصادي.
لقد أكدنا في افتتاحيات سابقة أن إشراك القطاع الخاص في مشاريع التنمية لم يعد مجرد مطلب اقتصادي، بل أصبح ضرورة وطنية. واليوم، ومع ازدياد المخاطر الإقليمية والدولية، تتضاعف أهمية هذا التوجه، لأن وجود قطاع خاص قوي، قادر على الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، يشكل أحد أهم عناصر المناعة الاقتصادية في مواجهة الأزمات.
فالاقتصادات التي تعتمد على قاعدة إنتاجية متنوعة، واستثمارات محلية نشطة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وأسرع تعافيا عند حدوث الأزمات. أما الاقتصادات التي تبقى رهينة لعوامل خارجية أو تؤجل إصلاحاتها، فإنها تصبح أكثر عرضة لتقلبات لا تملك السيطرة عليها.
وليس المقصود بالاستثمار الداخلي مجرد زيادة الإنفاق، بل توجيهه نحو مشاريع ذات قيمة مضافة، تعزز الإنتاجية، وتدعم الصناعات والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، والاقتصاد المعرفي، بما يخلق بيئة اقتصادية أكثر تنوعا واستدامة. كما أن تسريع الإصلاحات التشريعية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال، سيبعث برسالة واضحة للمستثمر المحلي قبل الأجنبي بأن الكويت ماضية في بناء اقتصاد أكثر تنافسية.
كما أن تعزيز الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن الوطني. فكما تستثمر الدول في حماية حدودها، فإنها مطالبة أيضا بحماية اقتصاداتها من آثار الاضطرابات الخارجية عبر تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. وهذا التوجه لم يعد ترفا تنمويا، بل أصبح ركيزة أساسية لاستدامة النمو وحماية الاستقرار المالي.
إن الكويت تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون مركزا ماليا وتجاريا ولوجستيا في المنطقة، لكن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تسريع وتيرة التنفيذ، وتحويل الخطط إلى مشاريع، والمبادرات إلى نتائج ملموسة. فالعالم لا ينتظر المترددين، والفرص الاقتصادية غالبا ما تذهب إلى الدول الأسرع في اتخاذ القرار والأكثر جاهزية للتكيف مع المتغيرات.
وفي ظل عالم يزداد اضطرابا، قد لا يكون السؤال: متى تنتهي الأزمات؟ بل: هل نجحنا في بناء اقتصاد قادر على التعايش معها؟ فالدول التي تراهن على استقرار الخارج قد تفاجئها الأحداث، أما الدول التي تستثمر في قوة الداخل، فإنها تجعل من كل أزمة فرصة جديدة للنمو والانطلاق.
إن المرحلة المقبلة تستدعي قرارات جريئة، ورؤية اقتصادية بعيدة المدى، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص. فهذه الشراكة ليست مجرد خيار تنموي، بل هي اليوم أحد أهم خطوط الدفاع عن الاقتصاد الوطني، والطريق الأقصر نحو اقتصاد كويتي أكثر قوة، وأكثر تنوعا، وأكثر قدرة على مواجهة عالم لا يزال يكتب فصوله بكثير من عدم اليقين.
أسرة التحرير